ابو القاسم عبد الكريم القشيري
91
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 14 إلى 15 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 14 ) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 15 ) الآية ما زادهم طول مقامه فيهم إلا شكا في أمره ، وجهلا بحاله ، ومرية في صدقه ، ولم يزدد نوح - عليه السلام - لهم إلّا نصحا ، وفي اللّه إلا صبرا . ولقد عرّفه اللّه أنه لن يؤمن منهم إلا الشّر ذمة اليسيرة الذين كانوا قد آمنوا ، وأمره باتخاذ السفينة ، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحدا ، وصدق وعده ، ونصر عبده . . فلا تبديل لسنّته في نصرة دينه . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 16 ] وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 16 ) كرّر ذكر إبراهيم في هذا الموضع ، وكيف أقام على قومه الحجّة ، وأرشدهم إلى سواء المحجة ، ولكنهم أصروا على ما جحدوا ، وتعصبوا لما من الأصنام عبدوا ، وكادوا لإبراهيم كيدا . . ولكن انقلب ذلك عليهم من اللّه مكرا بهم واستدراجا . ولم ينجع فيهم نصحه ، ولا وجد منهم مساغا وعظه . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 17 ] إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 17 ) لا يدرى أيهما أقبح . . هل أعمالكم في عبادة هذه الجمادات أم أقوالكم - فيما تزعمون كذبا - عن هذه الجمادات ؟ وهي لا تملك لكم نفعا ولا تدفع عنكم ضرا ، ولا تملك لكم خيرا ولا شرا ، ولا تقدر أن تصيبكم بهذا أو ذاك .